|
الآن أكتشف حقيقة ... وما أقل الحقائق في عصرنا العربي هذا المسكون برائحة الحمى والموت البطئ . . . الآ ن أكتشف ان ما قاله الرائع نزارقباني منذ عقود هو الحقيقة فالزمن غير الزمن والأشياء، كل الاشيا ء تقريبا بدأت تفقد لونها ، نكهتها ، رائحتها واشياء اخرى يطول شرحها... ماذا قال نزارقباني ؟ لقد قاال بصريح و فاضح العبارة :
السر في مأساتنا صراخنا أكبر من أصواتنا وسيفنا أطول من قاماتنا... و كأنه يؤكد لنا أن شيئا ما يحصل ، ولكننا نوهم أنفسنا أن لا شيئ يحصل فعلا... كأننا نصرخ صراخا مرّا، لكن لا شئ في النهاية استطعنا تحقيقه سوى ما تحقق من مرارة و ما شملنا من دوار... سيوفنا صارت خشبية على ما يبدو... لابد من غمد يبتلعها او يستر عورتها.... مظفر النواب الذي التقيت هو ليس مظفر النواب الذي كنت قرأت و حفظت عن ظهر قلب... ربما كانت لعنة الزمن الجميل، الذي يسرف في أفوله دونما التفات الى الوراء... أو ربما هو العالم الجديد يلقي بظلاله على المشهد كل المشهد حتى لم يبق لنا من وجوهنا شكل ولا من اصواتنا سوى بحة تنطق آخر حروف الجرّ و العلة... لقد نسخت (كان ) كل شيء ... هذا الحوار الذي أجريته مع مظفر النواب الذي طالما دوّى صوته في أرجاء عدة فعاش منفيا طريدا وحيدا... لكنه بعد أن قضي الأمر ، ربما عاد الى النقطة التي انطلق منها... و لكم أن تقرؤوه بشكل مختلف فقد اختلف عند الرجل كل شيء تقريبا وبات غير ما عرفنا وسمعنا و قرأنا... أنا في دمشق، رغم السفر فإن إقامتي مستمرة هناك في بلدان شتى... اقمت في مصر وفي ليبيا لسنوات طويلة وكذا فى لبنان والعالم والحركة .مستمرة... لقد كتب علي هذا السفر... - ما رأي مظفر النواب في المشهد العراقي الحالي ؟
المشهد العراقي الحالي محزن جدا ، ان وضع العراق غير مفهوم عربيا، المآسي غير واضحة والشارع العربي للأسف الشديد متعلق بالفرد... لقد نسي الشعب العراقي المتشرد و الذين غرقوا في البحار... ان الدفاع عن صدام حسين ليس دفاعا عن القومية العربية... و العراقيون ياسيدي منهكون بثلاثة حروب وحصار طويل... و من المصائب التي ارتكبت في العراق ما لا يمكن حصره بالمرة مثل القبور الجماعية والأقبية و أجهزة التعذيب، خمسة ملايين مشرد من الذين كانوا يتابعون خطواتهم حتى خارج الحدود... أنا شخصيا من الذين نفاهم النظام و تابعهم حتى في الخارج و قد تم اختطافي في اليونان و نجوت بأعجوبة... - لكنك تقف اليوم في الصفوف الا ما احرج الولايات المتحدة الامريكية ؟
هناك دعايات مضللة.. كما ان هناك بقايا بعث سابق تريد اعادة شكل شبيه بنظام صدام حسين. - كيف لبلد عربي أن يرأسه كردي؟
هذا الكردي هو عراقي بالضرورة... - ولكنه يطالب بفيدرالية حينا والاستقلال حينا آخر؟
هنالك واقع معين يحصل في كثير من البلدان العربية تنتزع كأنما هي جزء عضوي منا... - ولكن هل يمكن للاحتلال آن يمحو هذه الذاكرة ؟
لا يمكن للاحتلال ان يمحو ذاكرة اي شعب في هذا الكون. انني اكتب الآن بشكل هادى واكثر صبرا وعمقا بحيث انني اصبحت من الذين تستثيرهم القضايا الصغيرة فأحولها الى مادة للمقاومة والتصدي ومجابهة مسخ الهوية . - ما هي الرموز التي بقيت راسخة في ذهن مظفر النواب ؟
كل الأبطال العرب الذين دافعوا عن كياناتهم، اذكر لك امثلة من التاريخ : الحسين واستشهاده في كربلاء ، شعلان والشيرازي والشيخ ضاري وشهداء الاحزاب العراقية من الحزب الشيوعي الى حزب الدعوة . . . في العالم العربي رموز عديدة حكيتها في قصائدي . - المرحوم ياسر عرفات قال أنا آخر الثوار العرب فما رأيك ؟
بإمكانه ان يقول ما يريد... - ماذا تقرأ ولمن تقرأ من الشعراء العرب ؟
لا اخفيك سرا انني اقرأ قصائد ولا اقرأ لشعراء بعينهم فهناك قصيدة قد تثيرني وحسب فهمي لها ولجماليتها اعجب بها . . . اما بالنسبة للهموم فهذه نزعة قديمة في القصيدة العربية والشعراء يهتمون بكل ما يحدث في العالم من مآس والناس ما يزالون يتظاهرون في كل مكان وما يزال هذا مرسوما في قصائد الشعراء . . . - لماذا تضاءلت المظاهرات في الوطن العربي ؟
الاعتقالات و كم الافواه و الاعلام المضلل هو الذي يقف وراء كل ذلك !!! - هل يمكن اعتبار امريكا ديمقراطية ؟
امريكا ليست ديمقراطية... انها تحفظ مصالحها قبل كل شيء... لا بد ان نبحث نحن ايضا عن مصالحنا و المستقبل كفيل بأن يحقق لنا الكثير... - لقد اصبحت اقيلميا اكثر من اللزوم فاينك مما كنت ؟
لا افكر في المواطن الكوني و العولمي و لا اشغل نفسي بمثل هذه المسائل - ماهي الوسائل الكفيلة بالاصلاح في الوطن العربي ؟
الشارع... الشارع... - و آخر ما تختم به هذا اللقاء ؟!
او تذكرين بباب توما قد كتبنا كل اسماء الرفاق و امس في سحب الدخان وضجّة الأيام و العربان كانت ثمة أسماء على اسمائنا جيل جديد كاد يمسحنا و لكن... نحن دوّنا على حجر الزمان إرادة الله الجميل صلاتنامامية ضد المقاومة ؟ أنا مع الإنتخابات العراقية الاخيرة ومن عنده طريقة آخرى فلينصحنا بها... اما ان نطلب من العراقيين حمل السلاح في هذا الوقت بالذات فهذا امر مضحك في مثل هذا الظرف بالذات ... ان المقاومة في مثل هذه الظروف هي ضرب من الخيال... لا بد ان نحرص عى سلامة كل العراقيين وان لا نقدمهم الى " المفرمة " بتعلة المقاومة... لكن العراقيين يعملون على اخراج القوى الاجنبية من العراق بكل الاساليب الممكنة ولا استبعد السلاح في ظروف يكون فيها الوضع ناضجا لحمل السلاح... ان عددا من الدول العربية لها علاقات متينة مع اسرائيل وهذا مضحك جدا ، فكيف يطلب منا ان نفعل شيئا في هذا الوقت بالذات ؟! - ولكن العراقيين يرزحون تحت وطأة الاحتلال... ؟
ربما كان هذا النظام الجديد بديلا أفضل لكننا ضد الاحتلال رغم انه واقع اصلا . . . سياسة صدام حسين قادتنا الى كارثة فلولاه لما جاء الامريكان وها ان جهود المخلصين الطيبين العراقيين تبذل للخلاص من الاحتلال. . . لا بد من الخلاص... الانتخابات العراقية الاخيرة كانت خطوة على الطريق الصحيح لتطوير هذا الاتجاه... العراق الآن جائع ، عطشان ، متعب... لقد تدمرت بناه التحتية تحت عنوان المقاومة، لقد نسفت مدارس الاطفال عشوائيا بشكل نال من الناس العراقيين اكثر مما نال من الامريكيين . - ولكن كيفا ستتطور الامور بهذا الشكل؟
الانتخابات ليست سوى خطوة اولى لوضع دستور عراقي ... تطور الامور يعود اساسا للقوى الوطنية العراقية... لماذا نطلب من العراقيين فقط ان يحملوا السلاح ؟... - ولكن الانتخابات التي حصلت في العراق لم تعبر عن إرادة الشعب العراقي باكمله؟
هناك 8 ملايين عراقي صوتوا... ألا يكفي هذا الرقم ؟ - ولكن كثيرا من السنة لم يصوتوا ؟
لقد رفضوا التصويت باختيارهم... - ما رأى مظفرالنواب في المشهد الشعري العراقي... وهل استطاع الشعراء العراقيون ان يفرضوا انفسهم عربيا؟
انا لست مطلعا على المشهد الشعري العراقي بالشكل الكافي لأنني خارجه ... هناك شعراء كثيرون جيدون بالفعل لكن لا تنسى ان العراق كان في عزلة فلا مطبوعات ولا حريات ولا سفرات... ومن الصعب إذن ان نضع الشاعر العراقي في المشهد رغم التفجيرات والامريكان... - لقد ولى زمن القصيدة الملتزمة... هل توافقنى الرأي؟
القصيدة الملتزمة قصيدة حياتية تشتبك فيها الجماليات . . . عندما تتحول الهموم الى صور فنية ذات جمالية ، فالجمالية مهمة لترسيخ هذه القضايا . . . والقصيدة الملتزمة بخط معين قد تكون فصحى وقد تكون عامية ولكن لابد ان تكون مكتوبة بجمالياا كانت على ارض تقدّسها و كان الآخرون صلاتهم ليست لوجه الله بل لوجه الحصيرة... |