|
تنطلق يوم 22 فيفري الحالي، احتفالات تونس بمئوية شاعرها الخالد أبي القاسم الشابي تحت إشراف الرئيس زين العابدين بن علي، وبمشاركته الفعاليات الثقافية والإعلامية والأكاديمية بالبلاد.
يعتبر الشابي شاعر تونس الأكبر في القرن العشرين، وتحتل قصائده موقع الصدارة في المدوّنة الشعرية التونسية، ويتضمن النشيد الوطني التونسي "حماة الحمى" الذي كتبه الشاعر والأديب المصري مصطفى صادق الرافعي (1881-1937) تضمينا للبيتين الأولين من قصيدة "إرادة الحياة" أشهر و أبرز قصائد أبي القاسم الشابي وأوسعها إنتشارا. إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر وكرّمت تونس شاعرها الكبير، بإطلاق إسمه على الشوارع والأنهج والمؤسسات التربوية والصحية والاجتماعية بوضع صورته على الأوراق النقدية والطوابع البريدية وتأسيس روضة ومتحف خاصين به، في مدينة توزر عاصمة الجريد التونسي. أسرة عريقة ولد أبو القاسم الشابي يوم الإربعاء 24 براير /شباط 1909 الموافق للثالث منن شهر صفر 1327 هجرية بمدينة توزر جنوب غربي تونس...فاتحا عينيه على محيط أسري يتميز بالعراقة والثقافة وحب العلم وتقدير العلماء وعلى محيط طبيعي ساحر في جماله، حيث يزدان بواحات النخيل وعيون الماء المتدفقة من تحتها بسر الخصوبة وينابيع الحياة. كان والد أبو القاسم الشابي الشيخ محمد، يعمل قاضيا في المدن التونسية مثل سليانة وقفصة وقابس وتالة ومجاز الباب وزغوان إلى أن توفي يوم 8 أيلول/ سبتمبر 1929 بمدينة توزر بعد أن عاد إليها ملتحضا بزفرات مرضه الأخير الذي أصابه في مدينة زغوان، تاركا خلفه ابنه البكر أبا القاسم وإبنيه عبد الحميد الأكاديمي والناشط التونسي ومحمد الأمين، أول من تولى وزارة التعليم في الحكومة التونسية بعد إعلان الاستقلال في مارس 1956. منذ طفولته المبكرة حلم أبو القاسم بالسير على خطى والده الشيخ محمد الذي زاول دراسته بجامع الزيتونة في تونس ثم بالجامع الأزهر في القاهرة وتتلمذ على يد الشيخ الإمام محمد عبده (1849-1905) إلى أن حظي بنيل الإجازة المصرية التي بوّأته للعمل قاضيا بداية من 22 مارس 1910، أي بعد عام ونيف من ولادة ابنه البكر الذي سيصبح فيما بعد شاعر تونس الأكبر. درس أبو القاسم الشابي المرحلة الابتدائية باللغة العربية، وقبل بلوغه الثانية عشرة من عمره وجهه والده إلى العاصمة تونس لمتابعة دراسته الثانوية بجامع الزيتونة بعد ترسيمه فيه يوم 11 أكتوبر 1920... وهناك بدأ أبو القاسم في تلقي دروس الفقه واللغة العربية، إضافة إلى مداومته على زيارة مكتبة قدماء الصادقية والمكتبة بمدينة تونس العتيقة وقريبا من مقر تعلّمه. كرّس الشابي مطالعاته في المكتبتين المذكورتين للأدب العربي القديم وآثار الشعراء المعروفين والمغمورين والتجارب الصوفية، وعلى الأدب العربي الحديث من خلال مدرستي المهجر والمنشورات المصرية، إضافة إلى اهتمامه بالأدب الأوروبي من خلال الترجمات والتركيز على بعض الأسماء اللامعة مثل الألماني غوته (1749- 1832) والفرنسي لامارتين (1790-1869) حصل الشابي على شهادة التطويع من جامع الزيتونة في أكتوبر 1927، وهي تعادل شهادة ختم الدروس الثانوية، وفي العام الدراسي (28-1929) إنتمى الى مدرسة الحقوق التونسية. الخيال الشعري عند العربفي العام 1929 مر الشابي بظروف مصيرية في حياته، ففي غرّة فيفري ألقى في قاعة الخلدونية محاضرته عن "الخيال الشعري عند العرب"... مستعرضا فيها إبداعات الشعر العرب عبر مراحله المتعدّدة ومواقعه وتجلياته المختلفة، بدءا من القرن الخامس إلى القرن العشرين الميلاديين. وإذا كان الشابي الذي كان عندئذ في العشرين من عمره قد فاجأ الحاضرين بسعة إطلاعه وبوعيه النقدي المتميز، وأسلوبه العلمي في الطرح، والبحث والاستقراء، رغم عدم سفره إلى أي بلد آخر وعدم معرفته بأية لغة أجنبية، فإن ما يمكن الوقوف عنده هو أن تلك السنة قد عرفت بداية رحلته مع المعاناة والألم، حيث شهدت اكتشاف بدايات مرضه وكذلك مرض ثم وفاة والده الشيخ محمد الشابي يوم 8 سبتمبر 1929، ومما زاد في عذابات أبي القاسم، الحملة الشرسة التي قادها بعض المتشددين والمتعصبين في تونس وفي المشرق العربي ضده بسبب ما ورد في محاضرته، عن الخيال الشعري عند العرب" من قلب لبعض المفاهيم وتجاوز لبعض المسلّمات وثورة ضد ما كان سائدا من رؤى ثقافية وحضارية ونقدية وفقهية في تلك المرحلة. كانت تونس عصرئذ تمر بمرحلة هامة في تاريخها، تميزت بحركة اصلاحية يقودها مجموعة من الشباب المثقف والمتحرك في اتجاه المستقبل مثل الحبيب بورقيبة (1903-2000) قائد حركة التحرير الوطني، والطاهر الحداد (1899-1935) صاحب كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي مثل أول دعوة علنية لتحرير المرأة، ومحمد على الحامي (1890-1928) مؤسس أول منظمة نقابية تونسية سنة 1924...وأبو القاسم الشابي الشاعر الثائر الذي قال عنه شقيقه محمد الأمين الشابي في مقدمة الجزء الأول من الأعمال الكاملة (الدار التونسية للنشر – أكتوبر 1984) :"أنك لتجده وهو يواصل دراسته ويضع شعره في صميم حركة الإصلاح التي كانت تعتلج بها النفوس آنذاك من بعث لحركة الشباب المسلمين ودعوة لتجديد الجهاز الثقافي التقليدي ومناصرة لحركة تحرير المرأة ودعوة للتجديد في الأدب تحتل المكان الأول من نفسه، وقد أحدث كتابه "الخيال الشعري" الضجة الكبرى واستهدف الشاعر بسبب لحملة عنيفة ثبت لها ثبات الرائد المؤمن بما يقول" سنة 1929 صدرت طبعة محدودة وعي سابق لعصره... ورؤية حداثية متجاوزة للكتاب "الخيال الشعري عند العرب" أهداها أبو القاسم الشابي الذي لم يتجاوز العشرين من عمره آنذاك إلى "حضرة الوالد الكريم، الشيخ سيدي محمد بن بلقاسم الشابي الذي رباني صغيرا، وثقفني كبيرا، وأفهمني معاني الرحمة والحنان، وعلمني أن الحق خير ما في هذا العالم وأقدس ما في الوجود، أتقدم بهذه الصفحات التي هي أول عمل أخرجته للناس وأنا أرجو أن أكون قد توخّيت فيها صراحة الصدق وجمال الحقيقة." وفي "كلمة المؤلف" المتصدّرة للكتاب قال الشابي "هذا الكتاب هو المسامرة التي ألقيتها بقاعة الخلدونية في العشرين من شعبان السنة الماضية، قدمتها للطبع دون أي تنقيح أو زيادة أو حذف، إلاّ ما كان من التعاليق التي شرحت بها ما يمكن أن يشكل لفظه أو يبهم معناه، حتى يكون القارئ على بينة مما أردت قوله أودللت عليه، وان كنت أعلم أن كثيرا من الآراء التي بها في حاجة إلى الشرح والبيان والتعليل، وربما إلى زيادة التحميص والبحث ولعلّي أعود إليها بالنظر في مقتبل الزمن إن سمحت بذلك الأقدار، أمّا الآن فحسبي أني لبّيت بطبعها رغائب إخواننا الكثيرين من الشباب الناهض المستنير الذي لم أخطّ الكتاب إلاّ لأخاطب فيه حماس الفتوّة وأدعوه معي إلى أن نسلك بالأدب التونسي سبيل الحياة الجميلة المحفوف بالأوراد والزهور" أما المقدمة التي كتبها الأديب زين العابدين السنوسي، أقرب الأصدقاء إلى الشابي وأكثرهم حماسا له عصرئذ، فقد جاء فيها:" لما سمعت هاته المحاضرة لأول مرّة، خرجت من قاعة الإجتماع مهتم العقل أكثر مما كنت منبسط النفس، بل يمكنني القول أني خرجت من تلك الجلسة منكمش النفس، واجفها، مع إني كنت ممّن صفّقوا لأكثر مقدماتها والمعجبين بدعاماتها ولغتها الشعرية الصريحة، بل كنت أنا نفسي الذي قدم حضرة المسامر إلى مئات المستمعين منوّها بنبوغه الباكر ووجهته في التجديد الأدبي...وحادثت في الأمر كثيرين فإذا بهم يجمعون على تقديس الفكرة والإعجاب بالمسامرة، إنما يلمّح بعضهم بكيفيات مختلفة إلى أنهم يشعرون بجرأة الخطيب في التنويه بالمرض والإشادة به" ويضيف السنوسي قائلا "ولا غرابة في ذلك ما دام الشيخ أبو القاسم أول خطيب تونسي يسمع تونس مثل هاته اللهجة، ويطرق الموضوع على منبر عمومي تحضره طبقات مختلفة من الثقافات المتفاوتة والمدارك المتباينة، مع أن الخطيب لم يسلك أي طريق (سياسي) في حديثه ذاك، بل كان في موقفه الاين المتحمّس في إظهار معائب آن زمن هتك سترها والاستمتاع بنقائضها، ممّا يرى أن لا مناص لنا من إضافته، فيمعن في إدانة النقص ويكبر من الخلل ثم يشير الى الدواء ويحرّض عليه بكل ما أوتي من بلاغة وتحسين وتقبيح" ويعتبر السنوسي أن الشيخ أبا القاسم الشابي" لم يتحاش ان يصادم في كثير من النقاط بخطابه ذاك مراكز كانت نفوسنا متوطنة عليها، إذا صارحنا في هذا السرد بنقد الأدب العربي الذي خلدت نفوسنا منذ أمد الدراسة على أنه مقدس وعلى أنه المثال الأعلى الذي يجب أن يرفع له الكفاءات نتائجهم عن وجل، وبقدر قرب تلك النتائج من تلك البلاغة الجاهلية والروح العربية القديمة يكون الحكم النابغ ذلك النابغ وكمال هذا النتاج". صدرت الطبعة الأولى من كتاب "الخيال الشعري عند العرب" سنة 1929 عن دار العرب للطباعة والنشر بتونس، في 141 صفحة، متضمنة إلى جانب الأهداء وكلمة المؤلف ومقدمة الناشر سبعة فصول هي: الخيال وأقسامه، الخيال الشعري والأساطير العربية، الخيال الشعري والطبيعة، الخيال الشعري والمرأة، الخيال الشعري والقصة، فكرة عامة عن الأدب العربي، والروح العربية، واستعراض الشابي في هذا الكتاب / المحاضرة أغلب ما أنتجه العرب من شعر عبر تاريخهم الطويل، مقارنا بينه وبين مقتطفات من آداب الغرب، مستنتجا أن العرب أوغلوا في الصورة المادية وجعلوا منها محور القول والتفكير في حين اتجه الغربيون إلى ما وراء المادي بما زاد من حضور الأسطورة والخرافة في شعرهم ونثرهم. وفي "فكرة عامة من الأدب العربي (ص103) قال الشابي:" لقد انتهى بي البحث في الأدب العربي وتتبع روحه في أهم نواحيه إلى فكرة شائعة فيه شيوع النور في الفضاء لا يشذ عنها قسم من أقسامه ولا ناحية من نواحيه، وهي أنه أدب مادي لا سمو فيه ولا إلهام ولا تشوّف إلى المستقبل ولا نظر إلى صميم الأشياء ولباب الحقائق، وأنه كلمة ساذجة لا تعبّر عن معنى عميق بعيد القرار ولا تفصح عن فكر يتصل بأقصى ناحية من نواحي النفوس"... وبلغ ابن العشرين آنذاك إلى "أن لا خير في أمة عارية تكتم فقرها ولا خير في شعب جائع يظهر الشبع" وان " شر من كل ذلك أمة تقتني أثوابها من مغاور الموت ثم تخرج في نور النهار متحجبة بما تلبس من أكفان الموتى وأكسية القبور" أغاني الحياةبعد النظر في ديوان" أغاني الحياة "وجدنا أن أول قصيدة موثقة للشابي هي "الغزال الفاتن" التي يعود تاريخ كتابتها إلى يوم 23 فبراير 1923، أي حين بلغ الشابي الرابعة عشر من عمره...وهو ما يعني نبوغه المبكر في امتلاكه ناصية اللغة والإيقاع والتعبير عن مشاعره المتدفقة مع بدايات فترة المراهقة. استطاع الشابي أن يكوّن ثقافته الخاصة والعامة باكرا وكأنه يختصر مساحة الحياة، وقد عبّر عن ذلك شقيقه محمد الأمين حين قال أنه "كوّن لنفسه ثقافة واسعة عربية بحتة جمعت بين التراث العربي في أزهى عصوره وبين روائع الأدب الحديث بمصر والعراق وسوريا والمهجر، ولم يكن يعرف لغة أجنبية، فتمكن بفضل مطالعته الواسعة من استيعاب ما تنشره المطابع العربية عن آداب الغرب وحضارته" كان أول ما نشره شاعر "إرادة الحياة" في حياته، بالصفحة الأدبية لمجلة "النهضة التونسية سنة 1926 ثم ظهر شعره سنة 1927 مجموعا في المجلد الأول من كتاب "الأدب التونسي في القرن الرابع هجري "لمؤلفه زين العابدين السنوسي الذي يقول عن صديقه الشابي "إذا رجعنا إلى أدبائنا المعاصرين عرفنا أن أبا القاسم لم يكن يستنزل الشعر ولكنه كان يفيض عليه مهاجمة تمنعه الراحة والنوم فيصوغ القصيدة بيتا بيتا ويتهجّى كل واحد بمفردها في ليله وظلامه الدامس ولا تفارقه تلك الحال حتى يستفرغ ما جاش بضميره شعرا محكما، ثم ينام مطمئنا كـأنه نزع عن ظهره عبئا، حتى إذا استيقظ في الغد متأخرا وجدها على طرف لسانه ونسخها عن ذاكرته مطمئنا، وربما طاش عنه الشطر فلا يرضى أن يعوّض أبدا، وتبقى القصيدة بتراء في جيبه، لا يجسر على ترقيعها أبدا، إلى أن يتذكّرها ولو بعد أشهر فيتمها وينسخها في كنّاشه". موت الأب.... وعلة الجسد... و الزواجبعد تخرجه من جامع الزيتونة سنة 1929 تأكدت لأبي القاسم الشابي إصابته بمرض القلاب الذي يسبب انتفاخا وتفتّحا في القلب، مما دفع إلى أن يزور صحبة صديقه زين العابدين السنوسي عيادة الطبيب الشاب والمناضل الوطني محمود الماطري الذي نصحه بتجنّب الإجهاد الفكري والإرهاق البدني، وعلى الجانب الآخر، كان الشيخ محمد الشابي يعاني من مرض عضال، ويخشى أن يودّع الدنيا دون أن يطمئن على أسرته وأولاده، فطلب من ابنه البكر أبي القاسم الزواج من إحدى قريباته. وافق الشاعر الشاب على اقتراح والده بأن عقد قرانه على "شهلاء" المرأة التي أصبحت فيما بعد زوجته و أم ولديه جلال ومحمد الصادق، وقد يكون زواج الشابي آخر فرح في حياة والده الذي توفي في سبتمبر 1929 وهو في الخمسين من عمره تاركا شرخا كبيرا وألما استثنائيا في قلب نجله البكر المسكون بالمرض والأوجاع. كان الشابي في العشرين من عمره، عندما وجد نفسه يحمل اليتيم والمرض ومسؤولية الزواج إضافة إلى أعباء المجتمع الذي ينتمي إليه، إضافة إلى أثار ألم عميق تركها في جنبات صدره الرحيل المفاجئ لحبيبته الصغيرة. يوم 16 يناير / كانون الثاني 1930 وحين مر الشابي ببعض ضواحي العاصمة رأى اطفالا يلعبون بخفة ورشاقة، فكتب في "يومياته" متأسفا على أحواله الصحية:" ها هنا صبية يلعبون بين الحقول وهناك طائفة من الشاب الزيتوني والمدرسي يرتاضون في الهواء الطلق والسهل الجميل ومن لي بأن أكون مثلهم؟... وأني لي ذلك والطبيب يحذّر من ذلك لأن بقلبي ضعفا، آه يا قلبي ! أنت مبعث آلامي ومستودع أحزاني وأنت ظلمة الأسى التي تطغى على حياتي المعنوية والخارجية" وقد وصف الدكتور محمد فريد غازي مرض الشابي فقال "إذا صدقنا أطباءه وخاصة الدكتور الماطري، قلنا أن الشابي كان يألم من ضيق الأذنية القلبية أي أن دوران دمه الرئوي لم يكن كافيا وضيق الأذنية القلبية هو ضيق أو تعب يصيب مدخل الأذنية فيجعل سيلان الدم من الشرايين من الأذنية اليسرى نحوى البطيئة اليسرى سيلانا صعبا أو أمرا معترضا سبيله، وضيق القلب هذا كثيرا ما يكون وراثيا وكثيرا ما ينشأ عن برد ويصيب الأعصاب والمفاصل وهو يظهر في الغالب عند الأطفال والشباب ما بين العاشرة والثلاثين وخاصة عند الأحداث على وشك البلوغ". الشابي وأبولواضطلع الشابي بعد وفاة والده بشؤون والدته وأشقائه وأسرته الصغيرة واختار الإقامة في مسقط رأسه توزر، راضيا ببساطة العيش، وزاهدا في الوظائف الحكومية حتى أنه جاء في مجلة العالم الأدبي (عدد نوفمبر 1934):" كنا نرى في نفسه الزكية مثال القناعة في أفضل ألوانها والطموح على خير وجوهه". واصل أبو القاسم الشابي كتاباته الشعرية والنثريّة، ولكنه نقطة التحول الأهم في حياته الأدبية كانت سنة 1933 عندما نشرت له مجلة "أبولو" المصرية لصاحبها أحمد زكي أبو شادي بعض قصائده مثل "صلوات في هيكل الحب" التي نالت الرضى وحظيت بالإعجاب والتقدير من قبل الملاحظين والقراء في عموم الوطن العربي، ما جعل أبا شادي يوكل للشاعر الشاب مهام تصدير ديوانه "الينبوع"... ثم يطلب منه جمع قصائده لطبعها في القاهرة... ولكن الموت كان أسبق، حيث أن المرض أشتد على أبي القاسم الشابي ممّا استوجب نقلة إلى المستشفى الإيطالي بتونس يوم 3 أكتوبر 1934، ليفارق الحياة يوم ستّة أيام، وتحديدا على الساعة الرابعة من صباح الإثنين التاسع من أكتوبر 1934، وهو في الخامسة والعشرين من عمره. نقل جثمان الشابي أصيل يوم وفاته، إلى مسقط رأسه مدينة توزر حيث ووري الثرى... وحيث توجد اليوم مقبرته وروضته ومتحفه وصدى قصائده وبريق عبقريته الخالدة. |