الملاحظ

الاستقبال arrow فضاءات ثقافية arrow إنقلّك ودليلك ملك...
إنقلّك ودليلك ملك... طباعة ارسال لصديق
بقلم: د.نزار شقرون   
2009/04/14

بقلم: نزار شقرون"إنقلك ودليلك ملك"، هو عنوان شهير لبرنامج إذاعي كان الرّاحل محمّد أنور عشيش المثقّف والطبيب النفساني ينتجه في إذاعة صفاقس وفكّر الرّاحل منذ سنوات في تحويله إلى كتاب لكنّ الموت باغت الأحلام ، إلاّ أنّ إرادة الأصدقاء وزوجته السيّدة يسرى عشيش حوّلت الحلم إلى حقيقة. فصدر الكتاب خلال هذه الأيّام عن دار محمّد علي للنشر ليبقى وشما في الذاكرة. صدر الكتاب ليؤكّد مبحثا جدّيّا في الأمثال الشّعبيّة وبحثا تشكيليّا في تحويل المثل إلى تصاوير.

  نشأ الرّاحل أنور عشيش في مدينة صفاقس التّونسيّة مترعا بعشق السّور والأبراج ورائحة القدامى دون أن ينكص في الماضي، بل عُدَّ عشقه للتّاريخ القديم نوعا من البحث عن مداد لكلماته ونفس لتأمّلاته، ولم يكن هذا الالتفات إلى زمن مغلق وإنّما إلى زمن مفتوح على الحاضر ومسكون بالمستقبل. فالماضي في منظوره حركة متلبّسة بالحياة الحاضرة وهو لا يعود إليه لاستجلاب مظاهره أو الدّعوة إلى الإبقاء عليها بنوع من الحنين المتجمّد وإنّما حرصَ على التقاط نسغه المبثوث في الحاضر. واندفع أنور إلى خزّان هذا الماضي ليستجلي قدراته الخفيّة، منطلقا من إيمانه بتجذّره في النّسيج الشّعبي، وانفتاحه على أبناء وطنه، وكان تواضعه من تواضع العلماء في بحثهم عن المعرفة من أفواه العامّة. و من خصائص شخصيّة أنور أنّه جمع بين منزعين وثقافتين محاولا فهم تمفصلاتهما وتقاطعهما رغم اختلاف المضانّ، فمن الظّواهر الجليّة جمعُه بين ثقافة غربيّة قوامها التّحديث والعقلانيّة وبين ميل إلى الموروث الشّعبي في عتاقته المترعة بحكمة الأجداد ، فابتعد عن كلّ خطاب متعالٍ عن التّراث الشعبي تخصيصا، إذ كان واعيا بسلبيّة الاتّجاهات الفكريّة العربيّة التي لم تُثمّن غير ما هو فكري في تراثنا العربي الإسلامي بينما همّشت التّراث الشّعبي ولم تدرسه متجاهلة أثر هذا التّراث في بلورة الوجدان العربي بل وعقله، حتّى أنّ الكاتب استشعر محدوديّة الخطاب النّهضوي العربي الذي اهتمّ بتشخيص وتشريح العقل العربي بإقصاء التّراث الشّعبي منه. وتقف وجهة الكتاب في جانب صدّ مثل هذا الإقصاء الذي يعبّر في وجه من وجوهه عن ثغرة من ثغرات الحداثة التي تصنّف هذا التّراث خارج عقلانيّتها المشطّة، بل إنّ أنور وضع "الشّرط الحداثي" موضع المحاسبة حين أمعن في تخصيص حيّز كبير من مشروعه الثقافي لإعلاء قيمة التّراث الشّعبي ممثّلا في تعبيرة من تعبيراته وهو المثل الشّعبي.

انهمك أنور في جمع الأمثال الشعبيّة، بوجدان وعقل الطّبيب النّفساني والموسيقي والشاعر والرّسّام والمثقّف الغيور على ذاكرة وطنه، وتسرّبت هذه الأبعاد التّكوينيّة والإبداعيّة إلى طريقة تقديمه للمثل الشعبي والمثل السائر والحكمة المتناقلة شعرا أم نثرا وكأنّه يَسبكُها من جديد أو يُلبسها حلّة معاصرة تغتني برغبته في توجيه النّاس إلى ينبوع تراثي ما يزال حيّا بيننا ويمكن استقراؤه والإفادة منه قدر المستطاع. وهو بذلك عاضد الباحثين في عملهم لجمع الأمثال الشعبيّة ودراستها ووضعها على محكّ معرفته الذّاتيّة ليجمع بذلك بين الخبرة الرّمزيّة للمجتمع والخبرة الفرديّة لتكوينه المتعدّد الينابيع. و اتّجه "ابن الشّعب"، كما كان يحلو له التّعبير عن نفسه، إلى النّهل من ينابيع الموروث الشّعبي، فتفطّن إلى ديناميكيّته وتغلغله في جوهر البنية الذّهنيّة والنّفسيّة للإنسان.

تختمر مفردات المادّة التّراثيّة في ذاكرة الفرد والجماعة، ولم يكن أنور غير هذا الفرد المستوطن في قلب الجماعة، في وعيها ولا وعيها، حاملا التّراث في ذاكرته إلى درجة التّشبّع والإيمان به خزّانا لا ينضب. وبمثل ما كان التّراث حيّا في الذّاكرة فقد كان فاعلاً في رؤية الكاتب نتيجة التّراكمات التي تحقّقت في مسيرته الحياتيّة حتّى بلغت درجة الخصوبة الخلاّقة. ولئن عثر أنور على  كنوز منطوقة في خطابنا الشفاهي فإنّه سارع إلى تنزيلها في سياق اجتماعي وحضاري جديد، جاعلا من المثل الشّعبي حيّا مرّة أخرى في تجاويف الذّاكرة والمعيش اليومي في آن واحد. واختار أن يتناولها بلغة المحكي اليومي وهو خيار لا يخفي موقفا من طريقة النّفاذ إلى أذهنة وأفئدة بني قومه، فاختيار العاميّة دون اللّغة العربيّة الفصحى في تقديم المثل الشّعبي والتّعليق عليه لهو اختيار مقصود، جعل من التّناغم بين المحكي والمثَلي ديدنه الأساسي، وهو شبيه بطباق الألحان وتجاوب الصّوت وصداه رغم ما يثيره من أسئلة وقضايا حول جدوى الالتزام بالعاميّة دون الفصحى في صياغة التّقديمات والتّعليقات التي استوحت حرارة الأمثال وقوّة دلالاتها لتزيد في ترسيخها لدى العامّة والخاصّة على السّواء. ولا يمثّل هذا الاختيار في رؤية أنور موقفا من وجاهة لغة الضّاد فطالما ترنّم بأشعار القدامى وأنصت بملئ حواسّه إلى أشعار المحدثين وطرب للكلمة العربيّة الفصيحة تهزّ فؤاده وعقله، إلاّ أنّه فضّل العامية في هذا السياق الكتابي لوعيه بدرجة انغراسها بين عموم النّاس وليكون المثل سائرا في النّاس سريان تقديمه وهو بذلك أنشأ من هامش المثل ما به تنشدّ الأنفس وتطرب الأسماع. و استلّ أنور من رحيق الشّعر جذوته فجعل للتّقديمات والتّعليقات وقعا خفيفا وشديدا في آن ، حيث تعلّق بناء الكلمات وتراتبها بما ينساب من الإيقاع اللّطيف وتعلّق اختيار الكلمات بما هو أكثر رسوخا في الذّهن، ورسم في ذلك منهاجه في عرض المثل الشعبي. وإذ يعبّر هذا الكتاب عن وجوه البحث عن لمسة إبداعيّة في العرض والتّقديم والتّعليق فإنّه كان قادحا لإبداعيّة التّشكيل، وهو ما يتجلّى في ثنايا الكتاب من تصميم غرافيكي و تصاوير أبدعها الفنّان رؤوف الكرّاي. لقد مثّلت "الومضات المثليّة" ينبوعا للتّخييل الفنّي. وارتبطت انسيابيّة العرض بشاعريّة الصّورة التي تُدخل مشاهدها أزمنة متداخلة بين الحلم واليقظة، فلا نعرف أكانت الومضة مؤشّر الصّورة أم العكس، ولعلّ الصّلة الوثيقة التي جمعت أنور برؤوف اختزلت معنى الفاعل و المنفعل، وذهبت الصّورة إلى البساطة الممتنعة، والسّهولة البديعة مراوحة بين دلالات المثل وبين الطّابع الرّمزي للتصوير. واقتربت الصّور من التّشخيص دون أن تقع في محاكاة فجّة بل تمكّن الرّسّام من إحكام الفجوة بين الواقع والخيال فجاءت لوحاته مجاورة للأمثال ومنزاحة عنها في الآن نفسه، فهي عين الكتاب بعد أن احتلّت الكلمات موسيقاه ومعناه. لذلك فإنّ هذا الكتاب يخلّد القران بين فنون عديدة جاء بعضها شذريّا مبطّنا وبعضها تصريحي ويخلّد أيضا  صداقة ومودّة ليس لها من هدف غير حبّ الإنسان.

أضف تعليقك
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
الرجاء كتابة محتوى الصورة في الخانة المهيأة لذلك

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

 
سيادة الرئيس زين العابدين بن علي يكرم ثلة من المبدعين ورجال الثقافة والإعلام ممن تميزوا بأعمالهم في مختلف مجالات الفكر والفنون والصحافة

للاتصال بمجلة الملاحظ

مجلة الملاحظ

79 شارع الحرية 1002 البلفيدير تونس

العنوان الالكتروني: هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته

الهاتف: 533 847 71 – 815 847 71

الفاكس: 671 847 71

Advertisement

- مسعودة الهلالي بطيخ عضو اللجنة المركزية للتجمع وعضو مجلس النواب.

- محمد الصحبي البصلي سفير تونس ببيكين.

- صلاح رمضان والي توزر.

- الأديب بوبكر العيادي.

Le Grand Bleu
الموقف السياسي
أبو بكر الصغير

تكنولوجيا المعلومات والاتصال

 بقلم : أبو بكر الصغير

مقاربات وطنية
محمد مواعدة

المعارضة والانتخابات الرئاسية

 بقلم : محمد مواعدة

التحليل الاقتصادي
رضا القرمازي

القيمة
والسّعر
مفاتيح العبور إلى النموّ النّوعي

 بقلم : رضا القرمازي

شؤون وطنية
السيد علي الحليوي عضو مجلس المستشارين

الرئيس
بن علي
أكسب تونس مقومات اللحاق
بالدول المتقدمة

بقلم: علي الحليوي
عضو مجلس المستشارين

حديث الصباح
عبد الحميد بن مصباح

شاهد على العصر وشاهدون للعصر

بقلم: عبد الحميد بن مصباح

فضاءات ثقافية
محمد المي

الثعلب والديك...

بقلم: محمد المي

 
وجهة نظر
محمد المي

في مقاومة العنف على المرأة…؟

بقلم: أ.د منجية النفزي
السوايحي

فضاءات ثقافية
أولاد أحمد

الخبير
والمُخبر

بقلم : أولاد أحمد

Advertisement
في ذكرى مائويته: الشابي الذي أراد الحياة فحظي بالخلود

حاليا بالأكشاك

الملاحظ عدد 851

الملاحظ عدد 851

L'Observateur N°61

L'Observateur N°61 http://www.observateurtunisie.com

 

لعتر
Advertisement

خدمة الرسائل الالكترونية