• Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
  • default color
  • green color
  • red color

مجلة الملاحظ - تونس

الاستقبال فضاءات ثقافية إنقلّك ودليلك ملك...
إنقلّك ودليلك ملك...

بقلم: نزار شقرون"إنقلك ودليلك ملك"، هو عنوان شهير لبرنامج إذاعي كان الرّاحل محمّد أنور عشيش المثقّف والطبيب النفساني ينتجه في إذاعة صفاقس وفكّر الرّاحل منذ سنوات في تحويله إلى كتاب لكنّ الموت باغت الأحلام ، إلاّ أنّ إرادة الأصدقاء وزوجته السيّدة يسرى عشيش حوّلت الحلم إلى حقيقة. فصدر الكتاب خلال هذه الأيّام عن دار محمّد علي للنشر ليبقى وشما في الذاكرة. صدر الكتاب ليؤكّد مبحثا جدّيّا في الأمثال الشّعبيّة وبحثا تشكيليّا في تحويل المثل إلى تصاوير.

  نشأ الرّاحل أنور عشيش في مدينة صفاقس التّونسيّة مترعا بعشق السّور والأبراج ورائحة القدامى دون أن ينكص في الماضي، بل عُدَّ عشقه للتّاريخ القديم نوعا من البحث عن مداد لكلماته ونفس لتأمّلاته، ولم يكن هذا الالتفات إلى زمن مغلق وإنّما إلى زمن مفتوح على الحاضر ومسكون بالمستقبل. فالماضي في منظوره حركة متلبّسة بالحياة الحاضرة وهو لا يعود إليه لاستجلاب مظاهره أو الدّعوة إلى الإبقاء عليها بنوع من الحنين المتجمّد وإنّما حرصَ على التقاط نسغه المبثوث في الحاضر. واندفع أنور إلى خزّان هذا الماضي ليستجلي قدراته الخفيّة، منطلقا من إيمانه بتجذّره في النّسيج الشّعبي، وانفتاحه على أبناء وطنه، وكان تواضعه من تواضع العلماء في بحثهم عن المعرفة من أفواه العامّة. و من خصائص شخصيّة أنور أنّه جمع بين منزعين وثقافتين محاولا فهم تمفصلاتهما وتقاطعهما رغم اختلاف المضانّ، فمن الظّواهر الجليّة جمعُه بين ثقافة غربيّة قوامها التّحديث والعقلانيّة وبين ميل إلى الموروث الشّعبي في عتاقته المترعة بحكمة الأجداد ، فابتعد عن كلّ خطاب متعالٍ عن التّراث الشعبي تخصيصا، إذ كان واعيا بسلبيّة الاتّجاهات الفكريّة العربيّة التي لم تُثمّن غير ما هو فكري في تراثنا العربي الإسلامي بينما همّشت التّراث الشّعبي ولم تدرسه متجاهلة أثر هذا التّراث في بلورة الوجدان العربي بل وعقله، حتّى أنّ الكاتب استشعر محدوديّة الخطاب النّهضوي العربي الذي اهتمّ بتشخيص وتشريح العقل العربي بإقصاء التّراث الشّعبي منه. وتقف وجهة الكتاب في جانب صدّ مثل هذا الإقصاء الذي يعبّر في وجه من وجوهه عن ثغرة من ثغرات الحداثة التي تصنّف هذا التّراث خارج عقلانيّتها المشطّة، بل إنّ أنور وضع "الشّرط الحداثي" موضع المحاسبة حين أمعن في تخصيص حيّز كبير من مشروعه الثقافي لإعلاء قيمة التّراث الشّعبي ممثّلا في تعبيرة من تعبيراته وهو المثل الشّعبي.

انهمك أنور في جمع الأمثال الشعبيّة، بوجدان وعقل الطّبيب النّفساني والموسيقي والشاعر والرّسّام والمثقّف الغيور على ذاكرة وطنه، وتسرّبت هذه الأبعاد التّكوينيّة والإبداعيّة إلى طريقة تقديمه للمثل الشعبي والمثل السائر والحكمة المتناقلة شعرا أم نثرا وكأنّه يَسبكُها من جديد أو يُلبسها حلّة معاصرة تغتني برغبته في توجيه النّاس إلى ينبوع تراثي ما يزال حيّا بيننا ويمكن استقراؤه والإفادة منه قدر المستطاع. وهو بذلك عاضد الباحثين في عملهم لجمع الأمثال الشعبيّة ودراستها ووضعها على محكّ معرفته الذّاتيّة ليجمع بذلك بين الخبرة الرّمزيّة للمجتمع والخبرة الفرديّة لتكوينه المتعدّد الينابيع. و اتّجه "ابن الشّعب"، كما كان يحلو له التّعبير عن نفسه، إلى النّهل من ينابيع الموروث الشّعبي، فتفطّن إلى ديناميكيّته وتغلغله في جوهر البنية الذّهنيّة والنّفسيّة للإنسان.

تختمر مفردات المادّة التّراثيّة في ذاكرة الفرد والجماعة، ولم يكن أنور غير هذا الفرد المستوطن في قلب الجماعة، في وعيها ولا وعيها، حاملا التّراث في ذاكرته إلى درجة التّشبّع والإيمان به خزّانا لا ينضب. وبمثل ما كان التّراث حيّا في الذّاكرة فقد كان فاعلاً في رؤية الكاتب نتيجة التّراكمات التي تحقّقت في مسيرته الحياتيّة حتّى بلغت درجة الخصوبة الخلاّقة. ولئن عثر أنور على  كنوز منطوقة في خطابنا الشفاهي فإنّه سارع إلى تنزيلها في سياق اجتماعي وحضاري جديد، جاعلا من المثل الشّعبي حيّا مرّة أخرى في تجاويف الذّاكرة والمعيش اليومي في آن واحد. واختار أن يتناولها بلغة المحكي اليومي وهو خيار لا يخفي موقفا من طريقة النّفاذ إلى أذهنة وأفئدة بني قومه، فاختيار العاميّة دون اللّغة العربيّة الفصحى في تقديم المثل الشّعبي والتّعليق عليه لهو اختيار مقصود، جعل من التّناغم بين المحكي والمثَلي ديدنه الأساسي، وهو شبيه بطباق الألحان وتجاوب الصّوت وصداه رغم ما يثيره من أسئلة وقضايا حول جدوى الالتزام بالعاميّة دون الفصحى في صياغة التّقديمات والتّعليقات التي استوحت حرارة الأمثال وقوّة دلالاتها لتزيد في ترسيخها لدى العامّة والخاصّة على السّواء. ولا يمثّل هذا الاختيار في رؤية أنور موقفا من وجاهة لغة الضّاد فطالما ترنّم بأشعار القدامى وأنصت بملئ حواسّه إلى أشعار المحدثين وطرب للكلمة العربيّة الفصيحة تهزّ فؤاده وعقله، إلاّ أنّه فضّل العامية في هذا السياق الكتابي لوعيه بدرجة انغراسها بين عموم النّاس وليكون المثل سائرا في النّاس سريان تقديمه وهو بذلك أنشأ من هامش المثل ما به تنشدّ الأنفس وتطرب الأسماع. و استلّ أنور من رحيق الشّعر جذوته فجعل للتّقديمات والتّعليقات وقعا خفيفا وشديدا في آن ، حيث تعلّق بناء الكلمات وتراتبها بما ينساب من الإيقاع اللّطيف وتعلّق اختيار الكلمات بما هو أكثر رسوخا في الذّهن، ورسم في ذلك منهاجه في عرض المثل الشعبي. وإذ يعبّر هذا الكتاب عن وجوه البحث عن لمسة إبداعيّة في العرض والتّقديم والتّعليق فإنّه كان قادحا لإبداعيّة التّشكيل، وهو ما يتجلّى في ثنايا الكتاب من تصميم غرافيكي و تصاوير أبدعها الفنّان رؤوف الكرّاي. لقد مثّلت "الومضات المثليّة" ينبوعا للتّخييل الفنّي. وارتبطت انسيابيّة العرض بشاعريّة الصّورة التي تُدخل مشاهدها أزمنة متداخلة بين الحلم واليقظة، فلا نعرف أكانت الومضة مؤشّر الصّورة أم العكس، ولعلّ الصّلة الوثيقة التي جمعت أنور برؤوف اختزلت معنى الفاعل و المنفعل، وذهبت الصّورة إلى البساطة الممتنعة، والسّهولة البديعة مراوحة بين دلالات المثل وبين الطّابع الرّمزي للتصوير. واقتربت الصّور من التّشخيص دون أن تقع في محاكاة فجّة بل تمكّن الرّسّام من إحكام الفجوة بين الواقع والخيال فجاءت لوحاته مجاورة للأمثال ومنزاحة عنها في الآن نفسه، فهي عين الكتاب بعد أن احتلّت الكلمات موسيقاه ومعناه. لذلك فإنّ هذا الكتاب يخلّد القران بين فنون عديدة جاء بعضها شذريّا مبطّنا وبعضها تصريحي ويخلّد أيضا  صداقة ومودّة ليس لها من هدف غير حبّ الإنسان.

 
  • الفنان الايطالي ايروس رامازوتي في ليلة من أحلى ليالي قرطاج
  • ليلى حجيج في مهرجان الحمامات: سهرة رائقة لجمهور يعشق الفن الأصيل
  • الأديب رضوان الكوني في ذمة الله
  • فيلم عن مايكل جاكسون بقاعات السينما التونسية بداية من 30 أكتوبر الجاري
  • ندوة دولية بالقيروان للاحتفاء بكبار علماء القيروان من 28 إلى 30 سبتمبر
  • ندوة بالقيروان تحت عنوان "تونس: دعم لحركة الإصلاح في المنطقة العربية"
  • الدورة 24 للمهرجان الدولي لفيلم الهواة بقليبية
  • افتتاح الدورة 45 من مهرجان قرطاج الدولي
  • عرض "مانيفستو السرور" يفتتح مهرجان الحمامات الدولي تكريما للأديب المبدع علي الدوعاجي
  • افتتاح مهرجان الجم الدولي للموسيقى السمفونية في دورته الرابعة والعشرين
  • الدورة 45 لمهرجان الحمامات الدولي من 7 جويلية إلى 18 أوت 2009
  • تأمينات "كومار" تبوح بجوائزها الأدبية لسنة 2009
  • تظاهرة ثقافية للجمعية التونسية للأمهات ببروكسيل: الوطن في قلب كل أم تونسية في الداخل كما في الخارج
  • واقع الاختلاف بين الحضارات ووحدة المنشودات الإنسانية
  • الخبير والمُخبر
  • إكليروس في عباءة الفقهاء
  • أين هؤلاء؟ وما هي أحوالهم؟
  • القدس في معرض الكتاب
  • 2009 مستقبل واعد للترفيه بمدينة صفاقس
  • تاريخ التعليم العالي في تونس: من المدرسة القرطاجنية الفينيقية إلى منظومة "إمد" العالمية
  • للاتصال بمجلة الملاحظ

    مجلة الملاحظ

    79 شارع الحرية 1002 البلفيدير تونس

    العنوان الالكتروني: almoulahedh@topnet.tn

    الهاتف: 533 847 71 – 815 847 71

    الفاكس: 671 847 71

    الموقف السياسي

    مقاربات وطنية

    التحليل الاقتصادي

    News image

    القيمة والسّعر مفاتيح العبور إلى النموّ النّوعي

    بقلم: رضا القرمازي (خبير اقتصادي)

    حديث الصباح

    News image

    شاهد على العصر وشاهدون للعصر

    بقلم: عبد الحميد مصباح

    لقــــــــاء