| الإصلاح، والتطوير، والتغيير (بين التنظير والممارسة) |
|
|
|
| الكاتب: بقلم: د. لطوف العبد الله المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم |
| الثلاثاء, 14 نيسان/أبريل 2009 16:00 |
|
ولابد بداية من التوضيح بأن كل مفهوم من هذه المفاهيم الثلاثة يستند في تكوينه الحسي إلى مجموعة من العناصر المتماثلة والبنى الداخلية التي تسهم في تكوين صورته الذهنية المجردة، والتي تشمل فكرا أو أداء أو هياكل إدارية أو نظما بمختلف أنواعها ومسمياتها. بمعنى أن الإنسان يكوّن هذه الصورة الذهنية من خلال سلسلة من العمليات الفكرية تمتد على فترات زمنية متعاقبة وفق أساليب تعليمية معينة، تبدأ من الجزئيات والعمليات الحسيّة إلى أن تصل إلى القواسم المشتركة والأفكار المجردة، التي تمكّن الفرد من بناء معرفي يمكّنه من فرز الأشياء وتسميتها في صورتها الذهنية المجردة بعيدا عن التفصيلات والحسيّات. إن القاسم المشترك بين تلك المفاهيم يتجه نحو الإفادة والارتقاء، أي نحو ما يمكن أن ينسحب إيجابا على حياة الإنسان في جوانبها المختلفة، بغض النظر عن الاستخدامات المختلفة وفق الحاجة لمضامين كل مفهوم على حده، وذلك تحدده الغاية المنشودة من الاستخدام وكذلك الأهداف والوسائل، بمعنى أن الإصلاح يتجه نحو إحداث ترميم أو معالجة جانب معين من المنظومة المجتمعية أو التربوية أو السياسية أو غيره، فتتم المحافظة على الهيكلية العامة للمنظومة المستهدفة باستثناء معالجة خلل أو عطب أو تقصير في إحدى عناصر تلك المنظومة، وينسحب هذا المفهوم على حالة التطوير، حيث الحاجة ماسة إلى التكيف مع احتياجات مادية أو بشرية أو تكنولوجية أو حتى فكرية استجدت في المحيط، فلا بدّ للمنظومة من المجاراة التي تؤهلها للانخراط مع ما هو مستحدث ومستجد ومبتكر ابتعادا عن التأخر خطوة في هذا الميدان أو ذلك، ولدا فإن هذين المفهومين (الإصلاح، والتطوير) ينسجمان في الحالة على مستوى الهياكل، وينفردان في العناصر حسب الضرورة ومتطلبات المرحلة الجديدة بينما تنسجم صورة التغيير معهما في الارتقاء، وتنفرد في التغيير على مستوى الهياكل والعناصر والوسائل، بمعنى أن الارتقاء يتطلب تغييرا في البنى التحتية وكذلك الفوقية، والأساليب والأدوات التي تسهم في عملية التغيير. وفي المجمل تواجه العمليات الثلاث بعنصر الرفض من الأطر البشرية القائمة (المنفذون) أو القيادات البشرية لأسباب نفسية، مقاومة للتغيير والتطوير نظرا لاعتيادهم على أنماط وأساليب معينة خلال فترة زمنية محدودة، قد يتطلب تغييرا في وضعياتهم الوظيفية أو أنماطهم الحياتية، أو الإطاحة بمصالحهم، وقد يكون الرفض أو مواجهة ذلك لأسباب خارجية، بقصد الإبقاء على الحالة، ونبذ الارتقاء لتوجهات غير نزيهة تجاه هذا المجتمع أو ذلك، وهو شيء معروف لدى جميع المجتمعات والفئات عبر العصور. علما بأن عناصر الارتقاء على المستوى الداخلي تخدم الجميع، وإن كانت تلك الأطر تفترض العكس، فالتغيير أو الإصلاح أو التطوير سينعكس إيجابا إذا ما أحكم التخطيط والتنفيذ والوسائل، وستشمل الحالة الإيجابية الجميع دون استثناء حتى في غياب العناصر القديمة. ولهذا فإن استدعاء هذه المفاهيم يستند إلى مرتكزات فكرية تؤسّس لها وفق متطلبات واستحقاقات معينة تفرضها الظروف المحيطة على المستويات النظرية والمادية. إن كل شعب من الشعوب يقف في مرحلة زمنية ما أمام تحدّيات ومستجدّات واستحقاقات تفرضها التطورات التي تحصل في الميادين المختلفة نتيجة لتراكم الخبرات وتطور الذهنية البشرية المتبادلة التأثير مع المحيط، وفي هذه الحالة تستنّفر الأمم أبناءها وهممهم وكل ما لديها من إمكانيات لمواجهتها واستيعابها وتوفير البيئة المناسبة لها لتتمّ عمليّة المواكبة والمواءمة بين ما هو قائم ومستجد وذلك بناء على تأثيرات خارجيّة أو داخليّة فكرية، وسياسية، وتقنية...الخ. وهنا يبدأ الصراع بين الجديد والقديم، حيث يتشبّث كل واحد بقيمه وأساليبه ومنجزاته ويدافع عنها، إلى أن يحدث التوازن، والمواءمة، فتعود الأمور إلى طبيعتها، لأن الجديد دائما يفرض نفسه بقوّة جدّة معطياته إلى أن يدخل النسيج القديم للمجتمع بكافة جوانبه كالهزات الأرضية حيث تستقر الأمور بعد عدّة ارتجاجات، ثمّ تأخذ الوضعية النهائية، بعد أن ذهبت الأشياء الهشّة وبقيت الصلبة والمتماسكة. وقد لا يحدث ذلك التوازن إذا كانت الصدمة قويّة، وحجم الجهد المبذول لاستيعابها لم يكن بحجم التصدّع الذي حدث فتصبح أمّة من الأمم متخلفة عن غيرها وتتحمّل تبعات ذلك التخلّف وترحل هذا الإرث إلى الفترة اللاحقة لتزيد من ضعفها ووهنها فتكبر الفجوة، ويصبح ردمها بحاجة إلى قفزات نوعيّة وجهد كبير ومعاناة تتحملها الشعوب. وإذا كان التأثير بشقيه حاصلا لا محال، فإن له متطلبات لا بدّ من توفرها لإحداث المواءمة على مستوى الشكل والمضمون، ولتحقيق ذلك يجب القيام بخطوات ثلاث أساسيّة: الأولى: التثبت من الواقع (بالدراسة والتحليل) وإدراك الحاجة إلى القيم الجديدة. وتحديد القيم الثابتة التي لا مجال للمساس بها. الثانية: تتمثّل برصد المستجدات العالميّة وتوجهاتها على المستويات كافة وتحليلها ونقدها وتبويبها. الثالثة: تحييد العناصر السالبة في المستجدات العلميّة وتوظيف القيم الإيجابية لتنفيذ عمليّة التكيّف وفق الحاجة والخصوصيّة (بغرض المحافظة على الهويّة والخصوصيّة الثقافيّة الحضاريّة، وفي الوقت نفسه مسايرة الجديد بما يؤمّن السير بأمان وتجنب مخاطر الانغلاق). إن التثبت من ذلك يستلزم توافر متطلبات تنفيذه بالضرورة الأمر الذي يستدعي من القيادات المعنيّة بعمليّة الإصلاح والتغيير النظر في الآليات والوسائل التي تضمن القيام بهذه المهمة على أكمل وجه، ويتم ذلك وفق الخطوتين الآتيتين: الأولى: تأمين فريق العمل المؤمن بعملية الإصلاح أولا والذي يتمتّع بالكفايات المطلوبة لتنفيذ برامجه ثانيا. الثانية: توفير البنى التحتيّة القادرة على توفير متطلبات برامج الإصلاح والتغيير بمعنى أن توظيف البنى الفوقيّة والتحتيّة لا بدّ أن يكون في أحسن أحواله ليمكن من عملية التسيير الصحيح لعملية الإصلاح. إن الإشارات السابقة تأتي في إطار التأمين على الجانب المنهجي الأولي النظري في عملية الإصلاح والتغيير من رصد وكشف وتحليل ومواءمة نظرية وبين الحاجة والخصوصية ويعد ذلك نصف الطريق نحو عملية الإصلاح والتغيير، ولكن ما هو النصف الآخر منه لتنفيذ ذلك وإنجاحه بالصورة المثلى؟. يفضي التأسيس المنهجي لعمليّة الإصلاح والتغيير إلى عملية أخرى تتمثل بالجانب التطبيقي لنتائج تحليل الواقع، والتي بينت أهم القيم الإيجابية في المستجدات العالمية وتوجهاتها الكبرى لضمان المواءمة السليمة فكان لابد من الأتي: أولا: وضع استراتيجية وطنية شاملة وعاجلة لمختلف المجالات وعلى الأصعدة كافة. (تتضمن نتائج التحليل على مستوى الواقع وكذلك المستجدات وتحدد مسوغات الإصلاح وتوجهاته). ثانيا: خطط متوسطة قصيرة تنبثق عن الاستراتيجية وتترجمها إلى خطط سريعة، لأن حجم التسارع المعرفي والتكنولوجي لا يتحمل الخطط الطويلة الأجل التي كانت تحدث في القرن الماضي، وتتضمن (المرتكزات، والبرامج، والمشروعات). ثالثا: البرامج والمشروعات المنبثقة عن الخطط وتتضمن (الأهداف – الفترة الزمنية – النتائج المتوقعة، الخطوات الإجرائية – الأطر – التمويل). رابعا: وضع معايير تقويم الخطط والبرامج والمشروعات الذي سيساعد المعنيين على الوقوف على ما أنجز وأصلح بشكل موضوعي وشفاف بعيدا عن الآراء الشخصية الفقيرة والضيقة (قيادات – خبراء – منظمات) لاعتمادها. خامسا: عرض الخطط والبرامج ومعايير التقويم على مؤتمر وطني يضم جميع الشرائح (قيادات – خبراء – منظمات ) لاعتمادها. سادسا: تسليم الخطط والبرامج والمشروعات للجهات التنفيذيّة بعد اعتمادها لبدء التنفيذ كل حسب اختصاصه وما يعنيه من الخطة. هذه بعض التصورات التي نراها مفيدة للبدء في عملية الإصلاح العربي أو التطوير أو التغيير وفق منهج علمي شامل. |
| التحديث الأخير ( الثلاثاء, 21 نيسان/أبريل 2009 09:16 ) |