| أربعينية الطبيب الأستاذ الشاذلي بوزكورة: |
|
|
|
| الكاتب: بقلم: الأستاذ الهادي البكوش |
| الثلاثاء, 03 شباط/فبراير 2009 16:00 |
|
كان يرى منذ 1977 في زين العابدين بن علي رجل المستقبل ووضع آماله فيه وكان يردّد ذلك أحيت كلية الطب بسوسة مؤخرا أربعينية الطبيب الأستاذ الشاذلي بوزكورة في موكب أشرف عليه السيد الأزهر بوعوني وزير التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا وحضره عدد من الإطارات الجهوية إلى جانب أرملة الفقيد وأفراد أسرته. وأبرز السيد الأزهر بوعوني خصال الفقيد المهنية باعتباره من رواد الطب والتعليم العالي في سوسة مبيّنا بالخصوص أنه كان مثالا للتفاني والبذل في خدمة الغير ومعينه لا ينضب من المشاريع الطموحة. وكانت هذه الأربعينية مناسبة أدلت خلالها شخصيات عايشت الفقيد بشهادات حول حياة الأستاذ الشاذلي بوزكورة العلمية وثراء مساره في مجال البحث العلمي وتأطير أجيال متعاقبة من الأطباء التونسيين. ومما جاء في كلمة المناضل الكبير والأستاذ الهادي البكوش: "مات الشاذلي، مات دكتورنا، والموت مآل لكلّ الناس، ولكلّ أجله، ولكن موت دكتورنا محزنة، مؤلمة، موجعة إلى حدّ كبير. كانت له مسيرة مهنية مثالية، اختار مهنة الطب وتألق فيها. بدأ دراساته الطبية في باريس، وواصلها في لوزان، وجينيف، بعد أن سجنته السلط الفرنسية، ومنعته من الإقامة في بلادها لمساعدته النشيطة للثورة الجزائرية.
كان مرتاحا للإقامة في سويسرا التي تجاوزت 16 سنة منها عشرة في جينيف لما وفّرته له من نجاح مهني وعلمي وعلاقات اجتماعية ثرية، وموارد مالية كبيرة. ولكن الحنين إلى الوطن والشعور بأن بلاده في حاجة إليه ودعوة بعض ممن أحبّوه لإنهاء الغربة، دفعوه إلى الرجوع إلى تونس، والترشح لشهادة التبريز فيها وقد عمل أول الأمر في معهد باستور بجانب الدكتور عمر الشاذلي. استقرّ فيما بعد بكلية الطب بسوسة وإن كان تحصّل على التبريز في تونس، وكانت غايته إضافة إلى التدريس والتحاليل المساهمة في بعث كلية جديدة يضع برامجها، ويضبط نظامها ويشيّد مبانيها. لم يكن يرضى بالتعليم في الكلية والعمل في المستشفى فقط، فله طموحات أوسع حققها في الخلق والابداع وطاقات أكبر صرفها في البناء والإنجاز. فقد باشر خطّة عميد لكلية الطب ومديرا للصحة، ورئيسا للجامعة. وكان في كلّ هذه المسؤوليات مثالا للنشاط وللتفاني وها هي آثاره اليوم تشهد على ذلك نجدها في أراضي الجامعة التاسعة وفي بناءاتها الشامخة، وفي تعدّد مؤسساتها، وفي برامجها وفي بعثات إلى الخارج للتكوين والرسكلة. للدكتور بوزكورة دور بارز في النهضة العلمية والصحية في كل من ولايتي المنستير وسوسة وهما مدينتان إليه بالجهود الجبّارة التي قام بها في سبيلهما. هو أصيل قليبية ولد ونشأ وترعرع وكبر فيها، ينتسب لعائلة من الأب والأم متأصلة، أحد أجداده إمام، والآخرون فلاحة، وتجار كبار وهو شديد التعلّق بهم والوفاء لهم. وبالرغم من غزارة تلك العواطف وقوّة هذه الروابط، أقام بسوسة لضرورات العمل وتعلّق بها وأحبها، وسخّر كلّ جهوده للرفع من شأنها، وتزوّج منها، وأصبح واحدا من أهلها ووجها من وجوهها أحبّوه وقدّروه، وها هم اليوم يودّعونه. كان دكتورنا نشيطا في ميادين البحث العلمي وتقدّر الأعمال التي أنجزها أو أشرف عليها ـ 182 عملا وهو عضو عامل في الجمعية السويسرية، والأكاديمية العالمية، والجمعيات التونسية لعلم الأنسجة والخلايا المرضية. وقد كلّفته مؤسسات عالمية كبرنامج الأمم المتحدة للتنمية والبنك الإسلامي للتنمية، بدراسة مشاريع كليات ومستشفيات في إفريقيا. مات الشاذلي بوزكورة ومات دكتورنا والموت مآل كل الناس، ولكل أجله، ولكن موت دكتورنا محزنة، مؤلمة موجعة، إلى حدّ كبير. فقد كان مناضلا وطنيا كبيرا، ومجاهدا مغاربيا صامدا، وكان في الصادقية متزعما لشباب الحزب القديم، يسعى إلى إعطاء حيوية لهذا الحزب الأصيل، ويعمل على جرّه إلى العمل الميداني، واختلاطه بعامة الناس، والخروج إلى الشارع. وكان مع عبد العزيز شوشان رحمه اللّه، ومحمد حرمل أحد وجوه الوطنية المناضلة في الصادقية إذّاك. وفي باريس نشط في جمعية الطلبة المسلمين من شمال إفريقيا، وأصبح أمين مالها مشرفا على مطعمها الشهير. مطعم مائة وخمسة عشر 115 شارع سان ميشال. وانخرط في أنشطة الحزب الحرّ الدستوري الجديد وفي الاتحاد العام لطلبة تونس. واختلط بمناضلي جبهة التحرير الجزائري. وبجامعتها في فرنسا، وقدم لهم مساعدات ثمينة، ووفّر لهم محلات للإلتجاء إليها، والانطلاق منها للقيام بعملياتهم الثورية، وأعطاهم أثناء عطلة الصيف محلّ سكناه، حيث أقامت مجموعة مرساي التي أنجزت عملية مورييبان الشهيرة ضدّ قطار السكك الحديدية. وانتبهت الشرطة الفرنسية لمساهمته في الثورة الجزائرية، وتتبّعته، وأوقفته، وقدمته للعدالة التي حكمت بسجنه عشر سنوات. وتدخلت تونس لفائدته وبعد مساع طويلة وشاقّة، توصلت إلى الاتفاق مع حكومة فرنسا على سراحه على أن يغادر فرنسا نهائيا ودون رجعة، ولم تتراجع فرنسا شكلا وقانونا عن هذا المنع إلا منذ بضع سنوات فقد بقي المنع مسجلا في حاسوب مصالح الأمن. وهكذا واصل دراساته الطبية في لوزان وفي جينيف، وهناك اندمج مع الطلبة الجزائريين، وناضل معهم بإيمان وشجاعة حتى استقلال الجزائر. كان يحظى بتقديرهم وعرفانهم وكانت له مع الرئيس محمد بوضياف علاقات شخصية متينة وخاصة، تواصلت حتى استشهاده. لم يسع من وراء نضاله جزاء ولا شكورا، فقد كان يرفض احتفالات التكريم والشكر، ولا يحب التظاهر، ولا يريد المكافأة لعمل أدّاه عن واجب. وكان له مع النظام التونسي علاقات تأييد، ومساندة، وانضباط. وله مع الرئيس زين العابدين بن علي ميل خاص شعر به يوم التقيا معا في طائرة أقلتهما من المغرب إلى تونس سنة 1977، وتحادثا معا، وتبيّن له منذ ذلك الوقت أن زين العابدين بن علي رجل المستقبل، ووضع آماله فيه، وكان يردّد ذلك عشر سنوات قبل السابع من نوفمبر. هذا هو الشاذلي بوزكورة، وفاء له، حدثتكم عنه بصدق، وعاطفة، وتقدير، ومحبّة، فهو أخ، ورفيق، وصديق لي، لعائلتي كلّها، للكبار والصغار. رحل عنّا، ولكننا لا ننساه، فقد بقي حيّا بيننا، بروحه الطاهرة، وبمآثره الجليلة الخالدة. لا ننساه لما خلّفه في الساحل من إنجازات، وما نشر حوله من خير، وما قدّمه للغير من مساعدات. لا ننساه لعمله الواسع، وتجربته الطويلة، وشخصيته القوية، لا ننساه لخفّة روحه، ولمداعبته ولابتساماته. والذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون. رجع دكتورنا اليوم إلى ربّه وقد كانت حياته كلّها خيرا وهداية يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربّك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنّتي رحمه اللّه رحمة واسعة ورزقه فراديس الجنان ورزق السيدة حرمه وأخواته وإخوانه الصبر والسلوان. |
| التحديث الأخير ( السبت, 07 شباط/فبراير 2009 00:42 ) |