|
استعصى عليّ إلقاء القبض على مؤشر واحد يدل على أننا نعايش الازمة المالية العالمية ونعيش حالة من الذّعر تجاهها وتستنفر للتوقي من تداعياتها وندوي صفارات الانذار للاحتياط من عواقبها... فسكان العلب الليلية يتزايدون ويتكاثرون ويتقاطرون ويأتون من كل فج عميق، وأسعار المساكن تواصل صعودها الصاروخي وتباع كما لو قد شيّدت بالذهب والفضّة والياقوت والماس، والسيارات التي يسع حزاتها برميلا كاملا من البنزين ترتع في شوارع العاصمة وضواحيها، معلنة ميلاد طبقة جديدة ينطبق عليها المثل الدارج "باع ب قرة شرى زكرة"، ومرتادو السهرات الصاخبة ينزاحمون على اقتناء حق الظفر بطاولة لعائلة موسّعة بعشرات الملايين....
اذن دلونا على معطى واحد يؤشر على ان التونسي معدل على الازمة العالمية وقلق منها ولا يعرف النوم الى جفنيه سبيلا ويصل به الامر الى اقتناء الادوية للخلود الى الراحة. واذا كان ما قلناه سابقا لا يعدو ان يكون بالنسبة الى البعض سوى حالات شاذّة لا يجب تعميمها وان التحليل الموضوعي لا يستقيم مع الامور النسبية، فاننا نخير طرّق مجال آخر تنصب عليه اهتمامات كل خلق الله ويفوز بقصب السبق في كل الدوريات الاعلامية والتي نشرت جلّها خبر تعاقد فريق باب سويقة مع البنزرتى، خبر استوقفتني فيه الجراية المصرح بها لان مقابل فك الارتباط مع الاتحاد الليبي وما يسلم خارج اطار العقد وهو لا يقل شأنا وقيمة يظل مسكوتا عنه. أكثر من ثلاثين ألف دينار هو حجم الجراية الشهرية التي سيتقاضاها المدرب فوزي البنزرتي انطلاقا من نهاية الشهر الجاري من مشغله الترجي الرياضي الى جانب منح الانتصارات والالقاب المحلية والقارية وهي تقريبا نفس جراية مدرب شعب الافريقي عبد الحق بن شيحة. طبعا، اللّهم لا حسد ولكن اللّهم لا شماتة أيضا، فماذا يفعل المدرب حتى يتقاضى هذه الاجور الخيالية، هل ان خطة 4 ـ 5 ـ 1 أو 3 ـ 4 ـ 3 أو البريسينغ أو الكوتشينغ تتطلب هذا السخاء في بطولة لم يفلح لاعبوها في تحقيق انتصار واحد في ثلاث مونديالات متتالية مكتفين بانتصار يتيم بامضاء منتخب 78. وكم عدد ساعات عمل المدرب يوميا حتى يتحصل على ألف دينار - كارطة تحكّ كارطة - أو - كارطة تحك بنكا- ، فاذا حاولنا ان نتفهم ان أجور اللاعبين مرتفعة لان فترة ممارستهم لكرة القدم لا تتجاوز العشر سنوات كما يقال فاننا لا نستطيع ان نتفهم فترة التدريب التي تمتد من أواسط الثلاثينات الى ان يحل الاجل المحتوم وحتى من يفشل منهم في التدريب ينتقل بفضل تلك العلاقات التي ربطها الى محلل باحدى الفضائيات ويتقاضى نفس الاجر تقريبا ان لم يكن ارفع... ونرجو ان يكفوا نهائيا عن تذكيرنا بأن مهنتهم ان كانت أصلا مهنة، فهي لعبة أولا ورياضة ثانيا، تكلفهم حرقان الاعصاب والتشنج وتجعلهم يعيشون دائما وأبدا تحت الستراس فهل هناك مهنة واحدة خالية من التوتر والشد العصبى. ولنفترض ان معدل صلوحيتهم في التدريب تقتصر على عام واحد الا يكون المدرب النابغة قد جنى في اثني عشرة شهرا معلوم ثلاثة منازل دفعة واحدة وفي ارقى الاحياء. انهم ينتقلون من طائرة الى اخرى ومن بلد الى آخر ومن نزل الى نزل وخبزهم مخبوز وزيتهم في الكوز اضافة الى الشهرة والعلاقات العامة والهدايا التي تفتت الصّخور وأينما حلوا يجدون الترحاب وحسن الاستقبال والوفادة، فهل ان الدماغ الذي يخطّط للرسم التكتيكي لمقابلة كرة هو فلتة عصره وانشتاين زمانه حتي يرتفع اجره الى تلك الدرجة. في بلد لا يتجاوز الاجر الادنى الفلاحي والاجرالادنى الصناعي المائتي وخمسين دينار لا يعقل ان تصرف هذه الجرايات لا على البنزرتي ولا على مورينهو مع احترامي لمقدرتهم وكفاءتهم ورغبتهم في العيش في حياة من فئة 5 نجوم، فنحن في حقل رياضي انقلبت فيه الامور كليا وبات الهاجس المادي مسيطرا على كل الاطراف ولم يعد بالمقدور التحكم لا في اسعار اللاعبين ولا المدربين وبالتالي علينا ان نحسم نهائيا في اطلاق الوظائف التربوية والتكوينية على هذه الفرق فهي مؤسسات تجارية اختلط فيها الحابل بالنابل وتوسعت دائرة اهتماماتها لتشمل السماسرة ووكلاء اللاعبين. ولو قمنا بعملية حسابية بسيطة وأنا أشكو من ضعف مدقع في هذه المادة بالذات سيتبين لنا ان جراية واحدة للبنزرتي وبن شيحة تساوي 120 شهرا من السميغ اي 10 سنوات كاملة لمن يتقاضون هذه الاجور والغريب في الامر أنه عندما يتعلق الامر بكرة القدم تأتي الاموال من كل صوب وحدب وتدفع المليارات بشراهة ونهم اما اذا تعلق الامر بدعم عمل ثقافي أو تشغيل خريجي الجامعات وانتشال بعض العائلات من آفة البطاله وداء التهميش سنكون على موعد مع وضعية مادية محرجة لرؤوس الأموال تتطلب من السامع أن يرفق بحالهم ويرأف لوضعيتهم ولا ينقصه الا أن يتبرع لهم بما في حوزته حتى لا يشرفون على البكاء!! لا أعرف بكم يصرّح المدربون للضرائب وكم يتقاضون كمصروف الجيب في الرحلات والتربصات ولكن ما أعرفه أن ميشال بلاتينى أطلق مؤخرا صيحة فزع مؤكدا أن أغلب الاندية الأوروبية مهددة بالافلاس بعد انهيار رؤوس الاموال المالكة لها في حين ان الجامعة وما لف لفها لم تحرّك ساكنا ثم تتساءل باستغراب واستنكار عن اسباب هيجان الجماهير والمسؤولين لائفه الاسباب. لا عدالة على الاطلاق بين ما يتقاضاه دكتور في الجامعة على سبيل الذكر لا الحصر وبين ما يتقاضاه الكوارجي والزكارجي والكوتش الذين خدمتهم سوق استهلاكية بار فيها العلم وكسدت فيها المعرفة واشتعلت في كواليسها اسعار المهرجين وبائعي المتعة وصانعي الفرجة… |