• Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
  • default color
  • green color
  • red color

مجلة الملاحظ - تونس

الاستقبال مجتمع د. محمود الذوادي (أستاذ وباحث في علم الاجتماع):
د. محمود الذوادي (أستاذ وباحث في علم الاجتماع):

"حالة الاستنفار في المجتمع سوف تتراجع حتميا"

لقد أثبت تراكم البحوث والدراسات في العلوم الاجتماعية والسلوكية حول الشخصية الفردية والجماعية خاصة منذ الحرب العالمية الثانية أن علماء الأنتروبولوجيا والاجتماع والنفس يلقون صعوبات جمة في إرساء فهم علمي ذي مصداقية بشأن ظاهرة الشخصية على المستوى الفردي والجماعي.

تبدو لنا الشخصية التونسية القاعدية المستنفرة شخصية ينقصها حافز التعاطف والتقارب مع التونسي الآخر (البراني أو الغريب) وسمة الاستنفار هذه تجعل سلوك التونسي في تعامله مع التونسي الآخر يتصف عموما بالحذر والتوتر والخوف والتوجس. فعندما يلتقي التونسيون كغرباء عن بعضهم البعض بالمجتمع التونسي يلاحظ على تصرفاتهم في بداية تفاعلاتهم حالة من عدم الارتياح الذي يعكس وجود نوع من التشنج الباطني واللاشعوري.

ويتصف واقع المجتمع التونسي بظاهرة تنوع وتعدد السلوكات العنيفة والعدوانية بين التونسيين أنفسهم. ولا يستبعد أن يلجأ الفرد التونسي لأتفه الأسباب أحيانا إلى العنف اللفظي والجسدي ازاء التونسي (الآخر) وخطاب الشتم والسب والسفاهة عند التونسي الذكر مشهود له ببذاءته وكثرة تداوله أثناء التفاعلات الاجتماعية مع الغريب والصديق على حدّ السواء. فمن من التونسيين لم يشاهد أو لم يسمع أو لم يتبادل التراشق اللفظي البذيء في حياته بالمجتمع التونسي. أما الأنثى التونسية فتساهم هي الأخرى في ظاهرة التراشق بكلمات وعبارات السب والشتم مع التونسيات والتونسيين "الغرباء" ويغلب على الخطاب النسائي استعمال "الدعا" (على الآخر). وهو يختلف عن خطاب "السفاهة" الذكوري المشار إليه والذي يعكس لدى الجنس الذكوري ملامح العنف والتعنت وعدم احترام المقدسات والمحرمات من تقاليد الدين. ويتمثل خطاب "الدعا" في لجوء الاناث التونسيات إلى استعمال كلمات وعبارات يطلبن أو يتضرعن بها إلى اللّه أو إلى الجن أو إلى الأولياء الصالحين حتى يعاقب الطفل العاصي لأمر والديه أو يلقن الفرد المغضوب عليه ما يستحقه من عقاب على أيدي تلك القوى الماورائية. ان طبيعة الخطاب الأنثوي هذا ذات دلالات هامة بالنسبة لوضعية المرأة التونسية والعربية عموما فالخطاب "الدعاوي" يبرهن بأن هذه المرأة غير قادرة على التعامل مباشرة بنفسها مع الاحداث التي تمسها وتشغلها وبالتالي تكلف غيرها بالتدخل لصالحها ومما يزيد الطين بلّة أنها تولي مسؤولية شؤونها إلى عالم الغيبيات.

من ناحية أخرى فإن جذور تفشي ظاهرة "الواسطة" أو "لكتاف" في بنية المجتمع التونسي لا بد أن تعود، في جانب منها على الأقل، إلى سمات الحذر والخوف والتوجس التي تسود علاقات تعامل التونسيين "الغرباء/البرانين" مع بعضهم البعض. وهكذا يصبح متوقعا، في مثل هذه الظروف النفسية والاجتماعية، أن يلجأ عدد كبير من التونسيين إلى من يعرفونهم في الادارات التونسية وغيرها من المؤسسات التونسية قصد التدخل لصالحهم في قضاء حاجاتهم وتسهيل فض مشاكلهم داخل الادارة والمؤسسة أو خارجها.

من الظواهر الاجتماعية الأخرى المنتشرة بالمجتمع التونسي، ظاهرة ما يطلق عليه بالعامية التونسية "بالدزان" وهي ميل الأفراد التونسيين في ظروف معينة، كحالة الاكتظاظ مثلا، إلى التدافع. فمن من التونسين لم يسمع أولم يشاهد أو لم يمارس أو لم يتعرض، هو نفسه، إلى هذه الظاهرة في الحافلات العمومية أو أثناء محاولته الحصول على مقعد في سيارة أجرة أو تاكسي.

إن الباحث الاجتماعي الدارس لهذه الظاهرة بالمجتمع التونسي يستنتج أن ظاهرة "الدزّان" لا تقتصر على الحافلات وسيايرات الأجرة فحسب، بل هي ظاهرة عامة في هذا المجتمع. فالوقوف في الطوابير، سواء كان ذلك في المغازات العمومية أو في مراكز مصالح البريد أو في البنوك أو في المطار، لا يخلو منها، كما أن شوارع مدن المجتمع التونسي لا تندر فيها نفس الظاهرة بين المشاة أنفسهم.

وفي المجتمع التونسي، حيث تغلب سمة التوتر والحذر والخوف على التفاعلات الاجتماعية بين "البرّانين" التونسيين، فإن عامل الخصوصية، حسب برسنز، هو المرشح لمدنا بتفسير سوسيولوجي لظاهرة الاستنفار. ولذا يغلب على التونسي المثالي (بالمفهوم الفيبري) شيء من عدم الراحة أثناء اللحظات والدقائق الأولى على الأقل من تفاعله مع التونسي "البرّاني/الآخر". وبعبارة أخرى، إنه يكون كذلك في تفاعله مع التونسي "الآخر" الذي تربطه به علاقات ثانوية/علاقات الغربة.

وهناك ألفاظ يستعملها هذا التونسي في تعامله مع التونسي "الآخر" تؤكد جميعها مدى انشراحه وتعاطفه نفسيا مع الناس الذين تربطه بهم علاقات أولية. وتوجهه للتونسي "الآخر" بكلمات مثل "يا خوي، يا أختي، يا بابا، يا أمي، يا ولدي، يا بنتي.."، تكشف مدى عجز التونسي على التعامل مع هؤلاء الأشخاص الذين تربطه بهم علاقات الغربة. فهو يلوذ إلى استعمال تلك الألفاظ كمدخل أو كمفتاح لبدء عملية التفاعل الاجتماعي الهادئ مع التونسي "الآخر"، أي أنه يحوّل بذلك العلاقات الثانوية إلى علاقات أولية تغلب عليها روابط الدم والقرابة قبل أن يكون قادرا على مبادرته والدخول معه في تفاعل اجتماعي لا يتسم بالتوتر.

إن ذلك التونسي أو تلك التونسية مثال كلاسيكي لتواجد الحداثة والتقليد في آن واحد. وهي ازدواجية تضاف إلى قائمة الازدواجيات التي يعرفها المجتمع التونسي المعاصر وأفراده.

يستطيع الباحث الاجتماعي القول بأن حالة الاستنفار في المجتمع سوف تتراجع حتميا نتيجة للتفاعل المكثّف بين أفراد المجتمع "البرّانين" وينطبق هذا على تفاعل التونسي مع التونسي "الآخر) "البرّاني( في المجتمع التونسي اليوم، إذ يزداد التفاعل بينهما يوميا. وهذا لا يعني أنه وقع القضاء على علاقة الاستنفار بهذا المجتمع، بل لا تزال علاقة الاستنفار حاضرة، بسلبياتها، في تفاعل التونسيين مع بعضهم البعض.

 
  • سالم المكي رئيس المنظمة التونسية للتربية والأسرة في لقاء إعلامي
  • سالم المكي رئيس المنظمة التونسية للتربية والأسرة في لقاء إعلامي
  • بين الأمس واليوم: كيف تطورت علاقة المعلم بالتلميذ؟
  • محمد الشعار (المنسق العام للمدرسة التونسية بالدوحة) لـ"الملاحظ": "حصولنا على الجائزة الدولية تأكيد لإشعاع المنظومة التربوية التونسية"
  • منيرة عكريمي (رئيسة الجمعية التونسية لمساعدة الأرامل والمطلقين): "هدفنا المساعدة والاحاطة والحدّ من الطلاق"
  • من أجل ثقافة الحوار و التواصل في المحيط المدرسي: منبر حوار نموذجي مع تلاميذ المعاهد و المتكونين بمراكز التكوين المهني بالإدارة الجهوية للتربية و التكوين تونس 2
  • بعد سنة من انطلاقه: ماذا يقولون عن أول برنامج لصناعة الذكاء في تونس
  • د.محمد رشاد حاج رمضان (أخصائي في أمراض العظام والمفاصل) لـ"الملاحظ":
  • عبد الحميد بن هنية (أستاذ وباحث في التاريخ الحديث):
  • خميس طعم الله (أستاذ وباحث في علم الاجتماع)
  • بشير العواني (أستاذ وباحث جامعي في فلسفة التربية):
  • أية شخصية للتونسي؟
  • جلال التليلي (أستاذ وباحث في علم الاجتماع):
  • توفيق بن عامر(دكتور في الفكر العربي الاسلامي):
  • الموقف السياسي

    مقاربات وطنية

    التحليل الاقتصادي

    News image

    القيمة والسّعر مفاتيح العبور إلى النموّ النّوعي

    بقلم: رضا القرمازي (خبير اقتصادي)

    حديث الصباح

    News image

    شاهد على العصر وشاهدون للعصر

    بقلم: عبد الحميد مصباح

    لقــــــــاء